Publications

الدرس الذي تعلمه بوغوتا لبغداد

2

سأستعرض بسلسلة من المقالات تجارب الشعوب لتحسين الواقع الخدمي لعواصمها ومدنها الكبيرة مساهمة مني في الأدلاء بخبرتي في هذا المجال لمدينتي الحبيبة بغداد التي تعيش اليوم حالة لا تسر من يحبها

مقالي الأول عن مدينة بوغوتا

Bogotá))، عاصمة كولومبيا في امريكا الجنوبية، التي كانت تعد من أخطر مدن القارة وواحدة من اسوآ المدن من ناحية مستوى المعيشة في العالم حيث نمى تعداد السكان في بوغوتا من مئة ألف نسمة إلى .أكثر من سبعة ملايين نسمة خلالخمس عقود. معظم هذا النمو تم خارج تحكم البلدية وبشكل عشوائي وبدون تخطيط رسمي.

بسبب سوء مستوى المعيشة في المدينة كان سكان بوغوتا يعبرون عن رغبتهم بالرحيل والهجرة إذا اتيحت الفرصة لهم حيث قد اهل المدينة اي شعور بالفخر بمدينتهم وهو ما زاد حالة الاهمال وأدى بالمدينة إلى مستويات متدنية من المعيشة والى تدهور المرافق العامة. الاقلية الحاكمة والغنية كانت تعيش منفصلة عن باقي السكان. المدينة كانت تعيش “زحمة” في الطرق ومشاكل مرورية ادت الى ازدحام الطرق والكثير من الحوادث وحالات الوفاة.

بدآ الاصلاح بعد انتخاب السيد أنريكي باولوا كرئيس بلدية جديد للعاصمة (أي امين العاصمة في حالتنا العراقية) والذي تولى منصبه لمدة ثلاث سنوات من ١٩٩٨ إلى ٢٠٠١ وهي فترة رئيس البلدية المنتخب.

في بداية المدة المحددة له اطلع باولوا على دراسات لتنفيذ مشاريع طرق سريعة وتقاطعات علوية ومشاريع اسكانية قدمت له من استشاريين عالميين بتكلفة مليارات الدولارات (اغلبها قروض من البنك الدولي) لكن رأى باولوا في تلك المشاريع اهدارا للمال العام وظلم تجاه اغلبية سكان المدينة الذين يفتقدون وسائل مواصلات كريمة ومرافق مهمة كالمجاري ومياه الشرب ويعيشون في عشوائيات بدون مساحات خضراء والحاجة الماسة للصرف على احتياجات المدينة؟

كانت فكرته الرئيسية ان يخصص اغلب الموارد المتاحة للمدينة لخدمة اغلبية سكان المدينة الفقراء بدلا من الاستمرار في اساليب الاستثمار المعتادة التي تضخ كمية كبيرة من المال العام في مشاريع لا تنعكس بشكل مباشر على الفقراء.

قام أنريكي باولوا بعدة تغيرات جذرية في اسلوب النقل في المدينة وبدون اي عبء مادي على الدولة ومن هذا المنطلق وصل باولوا إلى رؤيته لا صلاح المدينة في حيز الثلاث سنوات بأن يجعل من بوغوتا مدينة للبشر اولا لا للسيارات..

البداية كانت في عام ١٩٩٨ عندما قررت البلدية غلق ١٢٠ كيلومتر من طرق المدينة كل اسبوع يوم الاحد لمدة سبع ساعات. تتحول تلك الطرق خلال هذه الساعات لشوارع للمشاة والدراجات وللتجول.

مشروعه الأول توسيع الاماكن العامة في المدينة وخلق ارصفة مريحة للمشي بدون عوائق في جميع انحاء المدينة حتى لو تطلب هذا توسيع الرصيف للمشاة. من وجهة نظر الكثير من مخططي المدن في العالم الرصيف هو من اهم معالم اي مدينة ناجحة حيث ان الرصيف يضمن للمشاة مكان امن للتجوال في المدينة وهذه الحركة هي التي تنعش الحياة التجارية وحياة المدينة.

المشروع الثاني هو مشروع للمواصلات العامة (الباصات) يهدف لان يجعل الحركة في المدينة امر سهل ورخيص ومقبول لجميع طبقات المجتمع. قبل هذا المشروع كانت الباصات في المدينة متعددة الانواع: بالإضافة إلى الباصات الحكومية الكبيرة كان هناك آلاف من الباصات الصغيرة يعتمد عليها الملايين في حركتهم. لكن تلك الباصات كانت تتنافس مع بعضها البعض وكانت تحت تحكم مافيا للمواصلات. بسبب عدم خضوع تلك الباصات لنظام موحد كانت تتوقف في اماكن عشوائية وتسبب اختناق مروري. حل المشكلة جاء ليس بإقصاء ملاك تلك الباصات لكن بوضعهم كجزء من منظومة المواصلات الرسمية بشروط واضحة وبمعايير تضمن لهم مكسب مادي وتضمن للحكومة نظام موحد يخدم المدينة.

استبدلت الباصات القديمة بباصات موحدة جديدة من نوعين واحد للطرق الكبيرة مصمم لنقل آلاف الركاب في الساعة ويسير في حارات خاصة بمحطات واضحة ومعروفة. النوع الاخر من الباصات أصغر قليلا م مصمم لدخول الاماكن ذات شوارع أصغر حيث ينقل الركاب من تلك الناطق إلى محطات الباصات الكبيرة وجميع الباصات متصلة بمركز مراقبة للتأكد من ان الباصات تعمل في وقتها وبدون تعطيل.

اهم نقطة في المشروع هي الحارات الخاصة بالشوارع لمرور الباصات. الامر المثير هو اهتمام البلدية بالتصميم المميز لمحطات الباص الذي يجعل الجمهور من جميع الطبقات راغبا في استعمال الباصات حتى لمن يملك سيارة خاصة مما قلل من الازدحام في الطرق يقلل من التلوث في المدينة.

المشروع نفذ في وقت قصير وخلق نظاما متواصل يربط انحاء المدينة ببعضها البعض ونجح في توفير أكثر من ٢٠٠ ساعة في السنة للراكب ووفر اكتر من ١٠٪ من مصاريف المواصلات للراكب في السنة.

المشروع الثالث هو كيفية التعامل مع العشوائيات. عندما تسلم باولوا منصبه كان على مكتبه امر قانوني بهدم المناطق العشوائية. لكن القرار كان هو نفسه عشوائيا فرفض تنفيذه. كبديل لفكرة الاقصاء والهدم وضع باولوا آلية للتواصل مع سكان المناطق المختلفة والعمل معهم لوضع حلول مستدامة لمناطقهم من اهمها الصرف الحي ومياه الشرب وايضا المساحات العامة نظرا لأن سكان هذه المناطق يعيشون في مساحات صغيرة جدا ويحتاجون لاماكن عامة للتنفس وللحياة الاجتماعية مما يساعد تلك المجتمعات في التعامل مع واقعها وان يتحولوا لجزء رئيسي في عملية وضع الحلول المتاحة. ساعدت البلدية السكان في استخراج الاوراق الرسمية والعقود للأراضي والعقارات ما يسمح لهم ببيع تلك العقارات حسب سعر السوق إذا ارادوا.

خلال فترة وجيزة (ثلاث سنين) تحولت بوغوتا بسبب تلك الحلول الى مدينة أفضل وفي فترة اقل من عشر سنوات أصبحت واحدة من اهم عواصم أمريكا الجنوبية بدون الاعتماد على مستشارين اجانب، او قروض دولية او ميزانية خاصة. كل ما احتاجته المدينة لحل مشاكلها المستعصية هي افكار ناتجة من الواقع ووجود النية السياسية لا الشخصية التي تميز بها رئيس البلدية والمهندسين في تحسين وضع المدينة بالموارد المتاحة.

 الدرس الذي تعلمه بوغوتا لبغداد هو انه يمكن حل مشاكل متراكمة ومعقدة إذا توفرت نية حقيقية، ونظرة غير تقليدية لحل تلك المشاكل.

مودتي للجميع

Alaa Al Tamimiالدرس الذي تعلمه بوغوتا لبغداد

2 comments

Join the conversation
  • Ihsan Hassan

    Engr.Ihsan Hassan - August 30, 2020

    شكرا لكم د. علاء مقتراحات رائعة وعلاجات سريعة نتمنى ان تلقى اذان صاغية وعقول واعية تسعى لخدمة بغداد الحبيبة بغداد المجد والحضارة والسلام

    Alaa Al Tamimi

    Dr.Alaa Al Tamimi - September 2, 2020

    اشكركم لمروركم وتعليقكم القيم

Leave a Reply