Publications

المسافة بين المثقف والمتعلم

0

المسافة بين المثقف والمتعلم

مفهوم “المثقف” مفهوم مستحدث في اللغة العربية، شاع استخدامه في الأدبيات الاجتماعية والسياسية خلال القرن الماضي وقد ظهرت كلمة “مثقف” لأول مرة في اللغة العربية في قاموس (محيط المحيط) لبطرس البستاني في نهاية القرن التاسع عشر كترجمة لكلمةIntellectuel الفرنسية، وقد عرفت هذه الكلمة في القاموس بمعنى قريب جداً إلى المعنى المألوف والمتداول في المجال الثقافي وتأتي بمعنى (متعلم ومعنى بالمعارف) أي ذو ثقافة.

وقد وردت كلمة “المثقف” بصيغ مختلفة في التراث العربي، ووظفت كلمات متعددة للإشارة إلى المثقف، مثل: الحكيم، والشاعر، والعلامة، والأديب، والفقيه، والشيخ، والمحدث، والشاعر، والراوي، والفيلسوف، والعالم، والرشيد، وصاحب القلم، والوراق، والمتعلم، والمتأدب. وهذه الكلمات وغيرها قد يتضمن معنى “المثقف” الكلمة التي نستخدمها في العصر الحديث.

يتساءل الكثير هل الدكتور الأكاديمي وأستاذ الجامعة من فئة المثقفين؟ هل يمكن اعتبار الإعلامي المشهور والسياسي الناجح والمحامي الفذّ والجراح الماهر والمهندس المبدع من المثقفين؟ هذه الصفات تنضوي تحت فئة المتعلمين تعليماً عالياً من أصحاب التخصص المهرة  لكن التعليم العالي لا يضمن الثقافة.

التعليم قد يساهم بصورة أو بأخرى بزيادة الحصيلة المعرفية للإنسان لكنه لا يجعل منه مثقفاً فهو عبارة عن منهج ونظريات وآراء لعلماء سابقين يتم السير وفقها، إذا آمن الإنسان بها إيماناً جازماً دون أن يحرر عقله ويفكر فإنه لن يتطور وسيبقى كآلة حفظ وتخزين للمعارف.

وعليـه فمجرد الشهادة الجامعية، لا يُضفي على الفرد صفـة المثقف بصـورة آليـة. فالعلـم ما هو الا اكتسـاب موضوعي، ولا يشـكل ثقـافة في حـد ذاتـه؛ إنـه يصبح ثقافـة بالمعنى الشـامل إذا توفر لدى المتعلم الوعي الاجتماعي، ذلك العامل الذاتي الذي من خلالـه فقط يصبح الفرد مثقفـاً ومن دونـه يبقى متعلما فقط، حتى لو كان أسـتاذاً جامعيـا.

المثقف ينخرط في المشهد العام ويتخذ مواقف من القضايا التي تهم المجتمع، ويعيش من أجل الأفكار أما المتعلم فإنه يطبق لأفكار، فالمثقف يتجاوز حقله المهني سواء كان أديباً أو مؤرخاً أو مهندساً، ليتناول أموراً ليس خبيراً فيها، لكنه يرى نفسه متورطاً فيها إنهالشخص الذي يهتم بأمور لا تعنيه إطلاقاً، حسب تعبير سارتر.

مفهوم “المثقف” ولد في أوروبا نهاية القرن التاسع عشر للتعبير عن الموقف الشجاع للروائي الفرنسي إميل زولا* ونخبة من المثقفين الفرنسيين الذين دافعوا في باريس عن الضابط الفرنسي Alfreddreyfuse، الذي اتهم بجريمة الخيانة العظمى، وحكم عليه عام 1894 بالنفي إلى غوايانا، بتهمة التجسس لصالح ألمانيا. وفي هذه الأثناء كتب إميل زولا مقالته الشهيرة “إني أتهم” التي دافع فيها عن دريفوس، ثم انبرى مع عدد من المثقفين الفرنسيين أمثالأناتول فرانس، ومرسيل بروست للتوقيع على بيانهم المشهور “بيان المثقفين” الذي عبروا فيه عن رفضهم حكم المحكمة. ونشر هذا البيان في جريدة “لوفر” الفرنسية في عام 1898 وانقسم الرأي العام بعد هذا البيان بين مؤيد لإعادة المحاكمة ومطالب بتثبيت العقوبة وتحت تأثير الضغط الثقافي للمفكرين الفرنسيين أعيدت المحاكمة وخفض الحكم إلى مدة 10 سنوات من السجن، ورفعت إلى محكمة النقض التي ألغت الحكم وأطلقتسراح الضابط الفرنسي وتمت تبرئته.

على أثر هذه المواجهة الفكرية بأبعادها السياسية، انتشر مفهوم “المثقف” وارتبط جوهريا بقيمته النضالية، وأصبح عنوانا لكل الممارسات الثقافية التي تدافع عن المظلومين، وإشارة إلى كل المواقف الشجاعة ضد الظلم والظالمين وإلى كل أشكال الاستبداد السياسي. وقد رسخ في الممارسة الفكرية أن “المثقف” رجل نقدي يسعى للكشف عن الحقيقة ويفضح الفساد ويدافع عن الضعفاء ويتحدى السلطة.

وعلى هذا النحو بدأ مفهوم “المثقف” يأخذ دور الوريث الشرعي لمفهوم الفيلسوف الذي كان سائدا في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وارتبط كما أوضحنا في قضيةدريفوسبالصراع الفكري والسياسي ما بين رجال الفكر من جهة والأنظمة السياسية من جهة أخرى، وأصبح مفهوم “المثقف” لصيقا بمفهوم المعارضة السياسية والنقد للسلطة ومقاومتها عندما يقتضي الأمر.

* إميل زولا أديب فرنسي متميز ولد عام 1840 وتوفي عام 1902 وتمكن من ترك بصمة مميزة على الساحة الأدبية العالمية

Alaa Al Tamimiالمسافة بين المثقف والمتعلم

Leave a Reply